عبد الوهاب الشعراني
146
تنبيه المغترين
حتى صار يبول الدم فأتوه بطبيب يهودي فلما جس بطنه قال : ما أظن في الحنيفية مثل هذا وصار اليهودي يبكي ويقول : إن هذا الرجل قد قطع الخوف من اللّه تعالى كبده وليس فيه حيلة ، وكان عطاء السلمي رحمه اللّه تعالى يقول : لو أوقدت نارا وقيل كل من ألقى نفسه فيها صار لا شيء ولم يدخل النار الكبرى لألقيت نفسي فيها ، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : لو أوقفوني بين الجنة والنار وخيروني بين أن أصير رمادا وبين أن أصبر حتى أعرف أين مصيري لاخترت أن أكون رماد . وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : أشتهي أن يوقفني ربي عز وجل بين يديه ويقول : رضيت عنك يا مالك ثم أصير ترابا بعد ذلك ، وكان علي بن بكار رحمه اللّه تعالى يقول : مكث عطاء السلمي رحمه اللّه تعالى على فراشه مزمنا من شدة الخوف أربعين سنة يعاد فبلغ ذلك بعض العباد فقال : وأي شيء الأربعون سنة واللّه لو عبد اللّه تعالى عدد شعر رأسه آلافا من السنين لكان ذلك قليلا في جنب سيئة واحدة يفعلها العبد . وقد كانت فاطمة بنت عبد الملك رحمها اللّه تقول : ما رأيت أخوف للّه تعالى من عمر بن عبد العزيز ، كان رحمه اللّه تعالى إذا جلس مجلس الرجل من امرأته ارتعد من الهيبة وانتفض كالطير المذبوح ، ثم لما ولى الخلافة جمعنا وجمع جواريه وقال : قد جاءني أمر شغلني عنكن فما أتفرغ لكن حتى أفرغ من الحساب يوم القيامة ، فمن شاء أن يقيم عندي ولا يطالبني فليفعل ومن شاء الفراق فليفارق ، ثم ترك القرب من عياله حتى مات ، وقد كان عطاء السلمي رحمه اللّه تعالى عامة ليله يمس جلده بيده مخافة أن يكون قد مسخ وكذلك كان السري السقطيو بشر الحافي رحمهما اللّه تعالى . وكان إسحاق بن خلف رحمة اللّه تعالى يقول : ليس الخائف الذي يبكى ويمسح عينيه وهو مرتكب للمعاصي ، إنما الخائف الذي ترك الذنوب خوفا من ربه . وكان السرى السقطي رحمه اللّه تعالى يقول : ليس الخائف الذي تأخذه رقة عند تلاوة القرآن مثلا إنما الخائف الذي ترك طعامه وشرابه وطلق النوم حتى يعرف أين ينتهي حاله ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول : لم يقدر عليّ بن الفضيل رحمه اللّه تعالى على سماع قراءة سورة القارعة حتى مات ، وقد سمعها مرة على غفلة فمكث ثلاثة أيام بلياليها لم يع شيئا ، وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى كثير ما ينشد قول الشاعر : إذا ما الليل أظلم كابدوه * فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا * وأهل الأمن في الدنيا هجوع ا ه فاعلم ذلك واتبع سلفك يا أخي تسلم ، والحمد للّه رب العالمين .